خليل الصفدي

29

أعيان العصر وأعوان النصر

13 - إبراهيم بن منير « 1 » الشيخ الصالح الزاهد العابد البقاعي المعروف بابن الصياح . كان من كبار الصلحاء الأخيار ، وممن يتفتت المسك حسدا إذا ذكرت عنه الأخبار ، له سيماء الولاية ، وعليه طلاوة القرب والعناية ؛ انعزل عن الناس ، ووجد في الوحشة الإيناس ، انجمع فامتدت له المعارف ، وانخزل فأجزلت له العوارف ، وكان متوحشا من نوعه ، نافرا عن الذي لا يراه في طوعه ، يمشي في الجامع كأنه مريب ، وينفر حتى تقول : هذا غريب ، لا يأنس بإنسان ، ولا يتألف بإحسان ، من رآه قال : هذا طافح السكرة ، لافح الجمرة ، سافح العبرة ، جامح الخطرة إلى الحضرة ، جانح الفكرة إلى الخلاص من العثرة . ولم يزل على حاله إلى أن دعاه مولاه ، فأسرع وأحضر له القبر ، فأمرى وأمرع ، وتوفى - رحمه اللّه تعالى - في أول ليلة الأربعاء ، مستهل المحرم سنة خمس وعشرين وسبعمائة ، وحمله الناس على الأعناق والرّءوس والأصابع ، ودفن بمقابر باب الصغير ؛ وسبب موته أنه استدفأ بمجمرة فاحترق ، ودخل حجاب المنون واخترق ، وكان له بيت في المئذنة الشرقية يأوي إليه ، وكان كثيرا ما يقول : يا دائم المعروف ، الذي لا ينقطع أبدا ، ولا يحصى عددا ، يا اللّه . ورثاه الأديب جمال الدين محمد بن نباته بقوله : ( الطويل ) على مثلها فلتهم أعيننا العبري * وتطلق في ميدانها الشّهب والجمرا فقدنا بني الدّنيا ، فلمّا تلفّتت * وجوه أمانينا فقدنا بني الأخرى لفقدك إبراهيم أمست قلوبنا * مؤجّجة لا برد في نارها الحرّى وأنت بجنّات النّعيم مهنّأ * بما كنت تبلي في تطلّبه العمرا عريت وجوّعت الفؤاد فحبّذا * مساكن فيها لا تجوع ولا تعرى بكى الجامع المعمور فقدك بعد ما * لبثت على رغم الدّيار به عمرا وفارقته بعد التّوطّن ساريا * إلى جنّة المأوى فسبحان من أسرى كأنّ مصابيح الظّلام بأفقه * لفقدك نيران الصّبابة والذّكرى كان المحاريب القيام بصدره * لفرقة ذاك الصّدر قد قوّست ظهرا مضيت وخلّفت الدّيار وأهلها * بمضيعة تشكو الشّدائد والوزرا

--> ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 1 / 194 .